“قراءة في كتاب كراهية الديمقراطية للفيلسوف جاك رانسيير”

إن الديمقراطية, بمعنى قوة الشعب,

قوة أولئك الذين ليس لديهم خالص

الحق في ممارسة السلطة, هو نفسه

أساس ما يجعل السياسة مفهومة.

جاك رانسيير

الغرب لم يعد باستطاعته ببساطة أن ينسخ فضائل الديمقراطية, وبما أن بعض الحكومات تقوم بتصدير الديمقراطية بالقوة, وأن هناك حكاية رجعية في الرأي السياسي السائد المستعدة للتخلي عن الحريات المدنية وتدمير القيم الجماعية للمساواة, يشرح رانسير وهو فيلسوف معاصر فرنسي كيف أن الديمقراطية – الحكومة من قبل الجميع  تهاجم أي شكل من أشكال السلطة على أساس تفوّق النخبة. وبالتالي فإن الخوف, ومن ثم الكراهية للديمقراطية شيء طبيعي بين الطبقة الحاكمة الجديدة, كتاب كراهية الديمقراطية هو إعادة التفكير في القوة التخريبية لهذا المثل الديمقراطي.

ينتقد رانسيير الموقف السياسي في الغرب الذي يصب على الاحتجاجات الجماهيرية والثقافة الشعبية في الداخل, ولكنه يعزز انتشار الديمقراطية بالقوة في جميع أنحاء العالم, ويتحدى ما يراه بإعتباره الرأي السائد بأن الحياة الديمقراطية مرادفة للحياة غير السياسية للمستهلك غير المبال.

نرى رانسيير بأسلوبه الفلسفي يتحدث حتى في كتاباته السياسية عن التربية والتعليم والفن والأدب وأهميتهن للوعي العام, ونرى ايضا التركيز في دراساته حول تحدي الأدوار في السياسة, والعمل على إفتراضات لا يمكن إثباتها مثل مبدأ المساواة, يستعمل رانسيير مصطلحات مثل الشرطة والقلة وتناقضاتها مع مصطلحات مثل الديمقراطية والسياسة, وأسلوبه في الكتاب كما يطلق عليه هو ” إعادة التعريف” أي يبدأ بالتحدث عن المصطلحات والمفاهيم والنظريات التي عادة ما تكون راسخة عند القارىء,بعدها و بسرعة يعيد صياغتها وإعادة التفكير بها مع القارىء, ما يدعوه رانسيير إلى السياسة هو العمل الديمقراطي الذي يفترض المساواة مع أولئك الذين سيخبروننا بالبقاء في مكاننا, وعدم التدخل, وهكذا دواليك. السياسة تكمن في أعمال النقد والمعارضة, “الشرطة” تشير إلى السياسة، وسائل حفظ النظام, ولكننا نأخذ بشكل عام هذه الأعمال المتمثلة في “حفظ النظام” في ما نسميه السياسة. ويوجد مثل هذا التصميم لموضوع حفظ النظام في جمهورية أفلاطون، هذه الجمهورية التي يستخدمها رانسيير كنقطة مضادة  تطوّر وتوظف العديد من مفاهيمه الرئيسية, في الجمهورية, لا توجد “سياسة” كما يفهمها رانسير, فقط “الشرطة”. (أفلاطون هو بالتالي مثال على كراهية الديمقراطية, وهو أحد العناوين الرئيسية في نصوص رانسيير في الآونة الأخيرة.)

 في حين أنه يعمل في مجالات كل من الجماليات الفلسفية والسياسة, من المهم لرانسيير أن لا نخلط بين هذه المجالات أو نتوقع أن ما هو منطقي في مجال واحد هو نفسه بالنسبة لمجال آخر, ليس كل شيء سياسي, ومن المهم أن نحافظ على تفكيرنا النقدي حتى يمكننا أن نرى الأحداث من سياقات ووجهات نظر مختلفة, وبالتالي تكون قادرة على تحقيق نقاط نظر حرجة, وأن يكون لدينا رأينا الخاص و النقدي لجمهورية أفلاطون التي لا يطرد منها الفنون والأدب ويروج لسوء سمعتها.

المساواة عند رانسيير يجب أن تمارس ليتم التحقق منها والعمل بها, وهنا جاء سؤال رانسيير الفلسفي, “لا بد للمرء أن يتعلم كيف يكون متساويا في مجتمع غير متكافئ, هذه هي احدى الوسائل المتحررة, كيف إذن الديمقراطية, هذه الأداة الحاسمة وسيلة لممارسة المساواة، وهي المساواة التي هي بالفعل, لخلق شيء مختلف؟ “

وأوضح رانسيير في كتابه إن مفهوم الديمقراطية معقد نوعا ما مع الشكل المعياري الذي يأخذ “شكل الارتباط المزدوج” حيث إما أن الحياة الديمقراطية تعني قدرا كبيرا من المشاركة الشعبية في مناقشة الشؤون العامة, وأنه أمر سيء, أو أنها شكلت شكلا من أشكال الحياة الإجتماعية التي حولت الطاقات نحو الرضا الفردي، وكان أمرا سيئا , هذا التوتر بين الحكم الشعبي والنجاح الفردي يصبح هو المفارقة في الديمقراطية حيث إنها شكلت الحياة الإجتماعية والسياسية. والديمقراطية هي حكم الزائدة أي بمعنى الزائد من النخب, ويرجع رانسيير ليقول في ماذا يختلف هذا الأمر عن الاوليجاركية (حكم القلة) ؟. وهذا التناقض يدل على خراب الحكومة الديمقراطية, وبالتالي يجب قمعها.

وأن مع ظهور الديمقراطية أصبحت هناك نزعة فردية للسعادة, وبالتالي المطالبة الأكثر للحقوق والحمايات, وهذا النزعة الفردية أدت للحكم الاوليجاركي المتمثل في الحكومة وهي قلة القلة من الشعب.

ومن نظرية إعادة التعريف التي استخدمها رانسيير هي إعادة تعريف بعض المصطلحات مثل تعريف حقوق الإنسان “هي حقوق الأفراد الأنانيين للمجتمع البرجوازي”, وأيضا تعريف الإنسان الديمقراطي بالبرجوازي, وأن اساس الإجرام السياسي هي الديمقراطية, مثل التدخل العنيف من بعض الدول على دول اخرى بإسم الديمقراطية, ويقول أنه يجب على الدول السامية رعاية الدول الفقيرة أو دول العالم الثاني والثالث, ونرى رانسيير يعرف الجمهورية بالخلط بين المؤسسات وعادات المجتمع.

رانسيير يرى أن الفلسفة “حقيبة من القضبان الذكورية” وأن الديمقراطية ليست انتفاضة لحظية للنزعات الفردية ومن ثم العودة للوضع الراهن, بل هي جميع الأمور في المجتمع والحرية والمساواة ونبذ العنف بكل أشكاله وعدم حكم القلة لقرارات ومقدّرات الشعب, لكي لا تصبح جمهورياتنا مثل جمهورية أفلاطون.

كتاب كراهية الديمقراطية لكاتبه جاك رانسيير, نشر عام 2006 وترجم إلى اللغة العربية عام 2012 وتم نشره عن دار التنوير للطباعة والنشر.

Leave a Reply