ذلك الشعور بأهمية القبول من مجتمعنا، من ما نفعله في حياتنا الخاصة، بغض النظر عن أشكالنا ولوننا وجنسنا وميولاتنا … والخ، هو الدافع لجعل كل ما نفعله لأجل ارضاء الطرف الأخر، لكن دائما السؤال هو هل المجتمع من الأساس قابل للتغيير وللتقبل؟؛ التغيير سيأتي تدريجيا عن طريق أصغر فوهة في المجتمع، يمكننا الدخول منها والعمل عليها، ولكن في مجتمع غير قابل لفكرة التغيير على الاطلاق شيء صعب جدا.

على مدى التاريخ، الأفكار التقدمية هي التي استمرت، من تقبل للآخر، ومنح الحريات؛ السبيل للحريات دائما مليئ بالثورات والدماء والتضحيات؛ المسلسل بالرغم من كتابته قبل سبعة عشر عاما الا انه يقول شيئا عن عالمنا اليوم، من قدوم للمهاجرين وزيادة الحروب حول العالم، والدولة المستقبلة للمهاجرين عانت من تولي المهاجرين لأشغالهم بأقل الأجور، والأمر الآخر ايضا الذي نشاهده، أن كره المحليين (اذا افترضنا انهم لم يكونو مهاجرين سابقين وقد نبتو في هذه الأرض) للمهاجرين السابقين يقل وينعدم بقدوم المهاجرين الجدد، وأن المهاجرين القدامى اصبحو يستاءون من قدوم المهاجرين الجدد.

تاريخيا ايضا، الدول لم تنهض الا بالاختلاف وتنوع الثقافات وتشابكها لاستخراج منتوج جديد من الثقافة، القادرة على حمل شعلة التغيير والمضي قدما نحو المستقبل؛ في بلد مثل ليبيا حيث لا وجود للتنوع الديني، ولا يوجد تقبل لأي تنوع فكري خارج نطاق العادات والتقاليد، لم يعطي لليبيا منتوج ثقافي وفني كبير يعتد به وطنيا، كل المحاولات الفنية هي انعكاس للمشاكل الاجتماعية وليس للتنوع الثقافي.

رموز كثيرة في المسلسل تعكس الواقع، منها الجماعة المتطرفة الدينية التي عانت الاضطهاد العنصري من قتل وضرب، ومحاولتها للانتقام؛ العنف لا يولد الا عنف، ومفهومنا ذا الزاوية الواحدة للحياة يؤدي إلى عدم الاستقرار الاجتماعي والتفرقة وبالتالي الحروب والنزاعات، يرينا الكاتب أن الحل ليس فقط من المجتمع نفسه، بل من السلطة، حيث اذا كانت السلطة غير متقبلة للاختلاف والمهاجرين ووضع قانون يحمي الأقليات والمهاجرين، فتسود الفوضى بالتأكيد أو التهجير، ايضا نرى عدم تمييز المهاجرين الجدد من بعض المخلوقات لمثيلها مِن مَن ولد وترعرع على نفس الأرض.

للفن دور دوما لهذه المشاكل، الحل لن يكون في لحظتها، لكن ميزة الفنون انها ذات حلول على المدى البعيد، ولها طريقة لعكس طريقة افكارنا، وجعلنا نرى بأكثر من زاوية، مثلا ابنة أحد النواب، وقراءتها لكل هذه الكتب، وكيف أنها بالكتب بعد وقت طويل استطاعت الفهم ومحاولة التغيير والتغيير في الآخر، ايضا لرمزية لوحة “الثورة” في المسلسل، حيث يوجد انسان في المنتصف وملائكة تدفعه لأسفل، وعلى ما يبدو أن الشيطان يدفعه لأعلى، لكن عندما وقفا ذا القرنين “آغريوس” والفتاة “ايموجين” امامها، فسراها بطريقة مختلفة، أي أن الشيطان ربما ليس سيئا ودفع الرجل للأعلى هو الحل، وليس كل ذا قرنين سيء؛ هنا الحب في التفسير للّوحة بوجودهما فقط، كان الحل للتقبل.

لايموجين وآغريوس نظرة بعيدة الأمد، من مميزات هذه النظرة أنها حديثة الولادة ولم تنتج لحظيا أو بفكر سابق، لكن حدثت عن طريق جلوسهما واختلاطهما ببعض، كل منهما لم يتقبل الآخر سابقا، لكون ايموجين من طبقة عليا ومن صفوة المجتمع، وآغريوس من الشعب ذا القرنين المهاجرين ومن الطبقة العاملة المتدنية في المجتمع، لذلك تقبلهما وحبهما لبعض كان أحد معامل قابلية التغيير في المجتمع، لكسر النمطية في العيش والتقبل والحب، ومن أجمل الجمل في نقاشهما هو قول ايموجين لآغريوس “التفكير التقدمي جيد” فرد عليها آغريوس “التفكير التقدمي ضروريا”.

هذا النوع من المسلسلات الخيالي هو لاستهداف فئات مختلفة من المتفرجين، ولتجسيد الأفكار التنويرية لنوع من المسلسلات والكتابة جديد وغير مقبول هو نفسه عند الصفوة والنخبة من النقاد والفنانين، لوجود شخصيات ميتافيزيقية واسطورية بها، لكن نرى بأن كسر هذه النمطية في التفكير كانت موجودة في مهرجان “كان” السينمائي 2019 بافتتاحه بفيلم “ذا ديد دونت داي” الذي يتحدث عن الزومبي في بلدة أمريكية، وايضا في مسلسل “ذا بويز” الذي يتحدث عن تحكم الرأسمالية في الأبطال الخارقين ونسف مفاهيم الصواب والخطأ، الذي هو ايضا من نفس شركة انتاج “كارنيفال رو” وهي “برايم” التابعة لأمازون.

للفلسفة مكان كبير في المسلسل من طرح للأسئلة الوجودية والتنويرية، وايضا للمساحة الكبيرة للتأويل من تناقضات فكرية؛ وجود أورلاندو بلوم وكارا في المسلسل في أدوار البطولة اعطى اكثير من الفن الشبابي العصري الجديد، وايضا وجود الممثل الكبير جارد هاريس الذي صدمنا مؤخرا بدوره الكبير في مسلسل تشيرنوبل عن العالم فيلاري ليقاسوف، المسلسل اخيرا للكاتب والمخرج ذا الخيال السياسي ترافيز بيكام، الذي فعلا جسّد الخيال بالشباب بالعصرية بالسياسة بالقضايا الاجتماعية.

Leave a Reply